السعودية
تكنولوجيا

الأتمتة البشرية: هل يلتهم الذكاء الاصطناعي إبداع الإنسان ويستنزف طاقاته؟

عكاظ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١١:١٨ م0 مشاهدة
الأتمتة البشرية: هل يلتهم الذكاء الاصطناعي إبداع الإنسان ويستنزف طاقاته؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أتمتة الإنسان واستنزاف الإبداع" نشر أولاً على موقع عكاظ وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل عالم يتسارع إيقاعه وثورة صناعية متجددة، وذكاء فائق يعد بواقع جديد يقف الإنسان على أعتابه، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كان هذا التقدم يبشر بنعيم أم بجحيم. لقد أدى إبداع الإنسان إلى صناعة ذكاء يوازيه أو يفوقه، فاتحاً آفاقاً واسعة في مجالات الأعمال والفن والشعر والبحث والتعليم، وأصبح لهذا الذكاء بصمة واضحة في كل مكان. لكن، ماذا عن بصمة الإنسان نفسه؟

في قطاع الإبداع، سواء كان إعلامياً أو إعلانياً، يتزايد الاهتمام بمنتجات الذكاء الاصطناعي الفنية، سواء كانت صوتاً أو نصاً أو صورة. في المقابل، يبدو التراجع واضحاً في دور الإنسان ضمن العملية الإبداعية التجارية وصناعة المحتوى الاتصالي المؤسسي. تشهد قنوات الجهات والمؤسسات تدفقاً للمحتوى بكثافة غير مسبوقة، وبقدرات آلية تحاكي الإبداع البشري بدقة تجعل التمييز بينهما أمراً عسيراً.

هذا التحول فتح فرصة ذهبية للوكالات الإبداعية ومؤسسات الصحافة الرقمية لزيادة الإنتاج، وخفض الأسعار، وتقليص فرق العمل. ونتيجة لذلك، اتجهت الميزانيات للاستثمار في امتلاك نماذج الذكاء الاصطناعي، بينما تتقلص مساحة القرار الإبداعي البشري، وتُنهك اليد الإنسانية المشغلة لهذه الأنظمة وتحرق طاقاتها، تماماً كما تحرق «التوكنز». أصبح من الطبيعي المطالبة بابتكار ثلاثة إلى أربعة نماذج إبداعية أولية للمهمة الواحدة، لمجرد استعراض القدرات الممكنة. وفي أغلب الأحيان، لا يرضي صاحب الطلب أياً منها، ليطلب مجموعة «أولية» أخرى في وقت قياسي، مما يجعل إتقان العمل بصورة بشرية أمراً مستحيلاً.

لقد أصبح المبدع مؤتمتاً، مكلفاً بتنفيذ أكبر عدد من المهام بأقل قدر من الأخطاء، مع تحمل كامل المسؤولية، ولكنه حُرم من قراره الإبداعي، ومن إمكانية وضع بصمته التي يستحق أن يتحمل مسؤوليتها.

ما بين الثورة الصناعية الرابعة والخامسة، ليس هذا الاستغلال جديداً على العالم. فعندما دخلت الآلات الثقيلة إلى المصانع، لم يرتح الإنسان، بل خلقت طبقية رأسمالية جديدة، وتغير تعريف الحياة اليومية والاجتماعية والمهنية. أصبح بعض أصحاب الأعمال لا يهتمون إلا بمكاسبهم على حساب الوقت الذي حظي به الإنسان نتيجة دخول الآلة، مما جعله مطالباً بإنتاجية أعلى لتعظيم الأرباح. يفسر هذا مفهوماً رئيسياً في كلاسيكيات الاقتصاد الماركسي: «تكثيف العمل»، وهو أن يطالب العامل بإنتاج المزيد ضمن نفس نطاق الوقت الذي كان ينتج فيه أقل وبذات الأجر. يُعرف هذا بالتكثيف الكمي، وهناك تكثيف نوعي أيضاً، لكن التركيز هنا على التكثيف الكمي لما فيه من ثغرات خطيرة في عصرنا تلتف على تشريعات العمل وحقوق العمال، وفي هيكلة بيئات العمل والأجور والمهام المناطة بكل موظف.

الصراع بين الإنتاج الإنساني والإنتاج التوليدي للإبداع: لم أكن يوماً من المتخوفين من قدرة الذكاء التوليدي على استبدال الفن البشري، ولا أظنني سأفعل. فمن واقع التخصص، يمكنني التفريق والتقييم وتقدير الإبداع المؤتمت ومعرفة ما يقف خلفه من روح وشعور إنساني. فالذكاء الاصطناعي ليس سوى أداة فنية جديدة، يمكن تشبيهها بالريشة الرقمية في «فوتوشوب» عوضاً عن الريشة الفيزيائية التقليدية. لكن في جانب آخر، يعتقد البعض أن الذكاء الاصطناعي أقدر وأجدر على تقييم العمل الإبداعي، فهو الذي يعرف ما يدور في ذهن صاحب طلب التقييم، ويتحيز معه ويؤيد مخاوفه أو تطلعاته دائماً.

إن ما جعلني أفكر في هذا الأمر ملياً هو ملاحظتي للتراجع الصحي لدى موظفين مؤتمتين على استخدام الذكاء الاصطناعي. لم يعد بإمكانهم أخذ يوم راحة أسبوعية ولا أمسية منزلية هنية إلا ويأتيهم تكليف جديد بإنتاج المزيد لتلبية هذا الطلب المفرط والعشوائي. فمن ينصف موظفاً يواجه ضغوطاً وظيفية متواصلة، وتكليفات مكثفة في أوقات ضيقة، قد تنعكس سلباً على صحته النفسية والجسدية؟ كيف جعلنا من الإنسان آلة، ومن الآلة إنساناً يحكم ويقدر قيمة العمل والإبداع؟ وأين سنصل إذا استمرت ممارسات بعض أصحاب الأعمال في استنزاف القدرات البشرية وتسخيرها لتحقيق مصالحهم؟ وكيف نتمكن من تطوير الأنظمة واللوائح بحيث لا يتم التحايل عليها؟ ومتى نعيد الاعتراف بالإنسان كإنسان في عالم رأسمالي قائم على الذكاء الاصطناعي؟

شارك الخبر: